محمد رأفت سعيد

76

تاريخ نزول القرآن الكريم

وثانيها : إنك كريم لكن ربك أكرم ، وكيف لا وكل كريم ينال بكرمه نفعا ويدفع ضررا ، أما الله سبحانه فالأكرم إذ لا يفعله إلا لمحض الكرم . ثالثها : أنه الأكرم ؛ لأن له الابتداء في كل كرم وإحسان ، وكرمه غير مشوب بالتقصير . رابعها : يحتمل أن يكون هذا حثا على القراءة ، أي هذا الأكرم ؛ لأنه يجازيك بكل حرف عشرا ، وحثا على الإخلاص أي اقرأ لأجلى ، ودع علىّ أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا يخطر ببالك ، ويحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحدا فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشاق ثم لا أنصرك . ومع وصف الله سبحانه لنفسه جل شأنه بأنه خلق الإنسان من علق ، وأنه علّم بالقلم فما المناسبة بين الأمرين ؟ إن الآيات الكريمة تبين مزيد كرم الله الأكرم سبحانه حيث تفضل على الإنسان بخلقه أولا ، وتفضل عليه ثانيا بنقله من حالة مهينة إلى تشريفه بالعلم وإدراك حقائق الأشياء ، وصيره إلى أشرف مراتب المخلوقات ويذكر ذلك في هذا السياق القرآني الكريم وفي بداية نزول الوحي ليرتبط بقضية التوحيد الكبرى في حياة الإنسان ، فهذا التحويل من أحسن المراتب إلى أشرفها يلفت نظر الإنسان إلى وجود المدبر والمقدر فيذعن لأمره ونهيه ، كما أن في هذا تنبيها على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية ، وكأن الآيات الكريمة تقول لنا الإيجاد والإحياء والأقدار والرزق كرم ربوبيته ، أما الأكرم فهو الذي أعطاك العلم ؛ لأن العلم هو النهاية في الشرف . كما أن العلاقة بين المعنى السابق في خلق الإنسان من علق بفضل ربه وكرمه وبين الذي علم بالقلم ، انتقال بالإنسان كذلك من الوقوف على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة إلى الوقوف على الأحكام التي لا يستقيم الخلق إلا بها ، والتي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالتعلم والاستماع إلى ما يأتي به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من عند ربه ، فالحالة الأولى معرفة الربوبية . والثانية : الوقوف على النبوة وتقديم الأولى على الثانية تأهيل للإنسان للإقبال على النبوة وما يتبعها من تكليف إقبالا صحيحا مستجيبا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ الأنفال : 24 ] . وأما قوله تعالى : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) [ العلق ] فإشارة إلى أهمية هذه الآلة وتلك